هشام بن سعيدي

اعتمدت الحكومة المغربية مدخل التوظيف بالتعاقد لتعويض العدد الكبير من الموظفين المتقاعدين خلال الفترة الحالية، واستندت في قرارها على اعتبارين أساسيين :
أولهما ، السعي إلى تخفيف كتلة الأجور غير المتحكم فيها في قطاع الوظيفة العمومية، في ظل  توصيات المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.
وثانيهما، الرغبة في إنهاك ومحاصرة الطبقة المتوسطة التي تؤطر الاحتجاج الشعبي، من خلال  إقحام شروط تقيد  الحريات والحقوق الفردية لهذه الفئة في عقود العمل وإعطاء كامل الصلاحية للإدارة في فسخه، دون أية ضمانة حقيقية للموظف.

قد تبدو هذه الاستراتيجية مبررة من منظور الحاكم، لكن ليس على المدى البعيد !

فالقرار لن يفكك منظومة الوظيفة العمومية فقط، بل قد يؤثر في بنية المجتمع المغربي ككل . لأن الموظف العمومي في المجتمع المغربي يختلف عن نظيره في باقي المجتمعات، وخاصة تلك التي يستلهم منها أصحاب القرار تجارب الإصلاح. لأنه ليس فردا مستقلا بذاته، بل يرتبط استقراره المادي بشبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية، وغالبا  ما يكون مصدرا لعيش عدة أسر . لذلك فكل مساس بالموظف هو بالتأكيد مساس بدائرة واسعة من الشعب، وسينتج عددا كبيرا من الفقراء . بتعبير آخر ، التضامن المجتمعي ركن من أركان الاستقرار في المجتمع المغربي وتفكيك الوظيفة العمومية بهذا الشكل ، سيخرب قسرا هذه العلاقة لاستراتيجية وبالتالي سيغير بنية المجتمع ككل.
ومن جهة ثانية، يعمل الأساتذة المتعاقدون في وضعية غير متوازنة من حيث الشروط المجحفة التي تفرضها عقود الشغل مع الأكاديميات والتي تعطي لهذه الأخيرة مجالات واسعة وغير مراقبة لفسخ العقد وقتما تشاء، وفي المقابل ليس فيها حد أدنى من ضمانات الاستقرار بالنسبة للموظف . مما يجعله تحت ضغط مستمر، سيدفعه كرها للعمل بشكل لا إرادي من أجل استعادة توازنه وضمان الحد الأدنى من الاستقرار. خصوص إذا علمنا أن أغلب المتعاقدين تركوا أعمالهم الحرة رغم كونها في بعض الأحيان أحسن دخلا ، بحثا عن الاستقرار ولا شيء غير الاستقرار.
ونظرا لرغبة  الإدارة في عزل المتعاقدين عن الساحة النضالية وعن المنظمات النقابية التقليدية بهدف القضاء على ثقافة الاحتجاج ، فإن التحرك الحتمي قد يتجاوز هذه المنظمات ، وآنذاك سيفكك بنية العمل النقابي التقليدي، على الأقل في قطاع الوظيفة العمومية، وسيقضي على وسائل التأطير والتحكم التي تلجأ إليها الدولة لضمان السلم الاجتماعي.
انها دوامة قديمة  بين السلطة التي تسعى للهيمنة و الشعب الذي يحلم بهامش أوسع من الحقوق والحريات، وكانت السبب الرئيسي في كثير من الحروب والثورات والأزمات عبر التاريخ … لذلك فإن تقدم أي مجتمع رهين باقتناع الطرفين في هذه المعادلة بالتوافق على وضع متوازن يحفظ حدا أدنى من الحقوق  للجميع . توافق مقدس يحافظ عليه الجميع باعتباره ركيزة استراتيجية للأمن القومي لكل بلد .